Life Style

لا أريد لأمي أن تقرأ هذه الحكاية

أغلقت عيناها، بدأت تتظاهر بالنوم، لا تريد النهوض. إنها الساعة السادسة والنصف من صباح أول أيام العيد. نعم وباختصار … لا تريد النهوض، حاولت جاهدة أن تتجاهل أصوات تكبيرات العيد التي تصدح بالأفق، داعبت التكبيرات أسماعها مثيرة صورا عتيقة من ذكريات سابقة حينما كان أبناؤها يتسابقون في مثل هذه الساعة لتقبيل يدها ومعايدتها قبيل أن ينطلقوا إلى المسجد لأداء صلاة العيد.

أغلقت جفنيها، ضغطت عليهما بشدة هذه المرة، حبست أصوات زفيرها، شعر أبو عبدو بدموعها رغم تعمدها وضع وجهها تحت الغطاء، مرَّ بقربها ثم ربَتَ على كتفها هامسا «ما فايدة البكاء؟! ادعي أحسن، ادعي لهم الله يسر لهم ولا تبكي».

تداخلت كلماته وصوت المؤذن مكبرا «اللهم ًإنك أعلى وأجل من أن تكون لك صاحبة أو يكون لك ولد، أو يكون لك شريك في الملك أو يكون لك ولي من الذل وكبِّره تكبيرا»ً رفعت أم عبدو رأسها من تحت الغطاء، نظرت حولها، لم تر أحدا، لا أحد يتحرك في هذا البيت الواسع. أبو عبدو وحده من يمسح قطرات الوضوء متأهبا للذهاب لأداء صلاة العيد.

نهضت أخيرا، اتجهت إلى المطبخ في محاولة بائسة لتشتيت مشاعر الحنين التي فاض بها صدرها، لكن سرعان ما عاد الدمع للتدفق من مقلتيها مجددا، بعد أن استدعت مخيلتها بشكل لا إرادي صورة أبنائها يتقاطرون إلى المطبخ ليروا وجبة الإفطار البديعة التي حضَّرتها لهم بعد شهر طويل من الصوم.

تمالكت نفسها مجددا، غسلت وجهها، توضأت، ثم بدأت بالتكبير وترديد ما يقوله المؤذن. حضرت المشهد جيدا قبل يومين، قامت بتنظيف البيت وتلميع الأثاث، نزعت صورة أبنائها الجماعية من الإطار الخشبي، ٍّمسحتها بتأن، قبَّلتها، ثم وضعتها داخل مصحفها، لا أدري أكانت صدفة أن تضعها في سورة طه أم أن الأمل حذاها لوضعها عند قوله تعالى: (فرجعناكَ إلى أمكَ كيّ تقرَّ عَينُها ولا تحزن)؟!

لم تحضر هذا العيد أي نوع من أنواع الحلوى أو الكعك الذي يحبه أبناؤها، كما رفضت أن يشتري لها أبو عبدو الثوب الذي طالبت هي بشرائه قبل شهر، لم ترد أي شيء يذكرها بالعيد، بطقوس العيد أو بالأحرى أجواء اجتماع أفراد أسرتها الصغيرة أيام العيد.

عاد أبو عبدو من صلاة العيد، جلسا معا على طاولة الافطار، تأملا الطعام طويلا، تناول أبو عبدو بضع لقيمات، بينما رفضت هي تناول الطعام، ثم عادت وتناولت القليل بعد أن تحدثت مع أبنائها عبر السكايب والواتساب الوسائل الوحيدة الباقية لربط أفراد العائلة.

تمالكت نفسها وخاطبتهم بجسارة حين تلقت تبريكاتهم، وكأنها بقربهم، وكأن شيئا لم يكن، لم تشأ أن ينقل صوتها ًأي نبرة حزن، لم ترد أن تنغص عليم فرحة العيد.

مع من ستفرح بالعيد؟ المسكينة أنجبت ثلاثة أولاد ليكونوا بقربها في الأفراح والأتراح، لكنها لم تتوقع أن يضطرهم الحال إلى مغادرة وطنهم وتركها وحيدة برفقة والدهم. خالد، الأكبر، هرب إلى ريف إدلب بعد أن داهمت قوات الأمن بيته. أحمد، الأصغر، هرب إلى تركيا بعد أن تمت دعوته لأداء خدمة العلم، قبل أن يتوجه إلى ألمانيا مع قوافل المهاجرين، أما ابنتها الوحيدة حسناء، فرحلت مع زوجها إلى لبنان، بعد خرج مريضا من المعتقل.

العيد لدى أم عبدو، ويعمم البعض على الأمهات السوريات كافة، مناسبة تثير الأحزان والأشجان، فمع تجاوز عدد اللاجئين السوريين الخمسة ملايين لاجئ في دول الجوار، وفق أرقام الأمم المتحدة، أصبح لا يخلو بيت في سوريا إلا وفيه قصة لاجئ أو مغيب أو معتقل. حكاية في كل بيت، وفي كل حكاية ما ينغص أي فرح في كل لحظة، سواء كانوا داخل وطنهم أم خارجه. شخصيا لا أريد لأمي أن تقرأ هذه الحكاية ، فهو أول عيد لي بعيدا عنها وأعلم جيدا كم ستبكي إن قرأتها.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق